ابراهيم بن عمر البقاعي

117

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

أي دعاء عبادة ، ونبه على سفولهم بقوله تعالى : مِنْ دُونِ اللَّهِ أي الملك الأعظم الذي كل شيء دونه ، فلا كفوء له . ولما كان من المعلوم أن الاستفهام عن رؤية ما مشاهدتهم له معلومة لا يصح إلا بتأويل أنه عن بعض الأحوال ، وكان التقدير : أهم شركاء في الأرض ، استأنف قوله : أَرُونِي ما وأكد الكلام بقوله سبحانه وتعالى : ما ذا خَلَقُوا أي اخترعوه مِنَ الْأَرْضِ ليصح ادعاء أنهم شركاء فيها باختراع ذلك الجزء . ولما كان معنى الكلام وترجمته : أروني أهم شركاء في الأرض ؟ عادله بقوله : أَمْ لَهُمْ أي الذين تدعونهم شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أي نوع من أنواع الشركة : تدبير - كما يقول أهل الطبائع ، أو خلق أو غيره ، أروني ذلك الذي خلقوه منها ليصح ادعاؤكم فيهم واعتمادكم عليهم بسببه . فالآية من الاحتباك : ذكر الخلق أولا دليلا على حذفه ثانيا ، والشركة ثانيا دليلا على حذفها أولا . ولما كان الدليل أحد شيئين : سمع وعقل ، قال تعالى : ائْتُونِي أي حجة على دعواكم في هذه الأصنام أنها خلقت شيئا ، أو أنها تستحق أن تعبد بِكِتابٍ أي واحد يصح التمسك به ، لا أكلفكم إلى الإتيان بأكثر من كتاب واحد . ولما كانت الكتب متعددة ولم يكن كتاب قبل القرآن عاما لجميع ما سلف من الزمان ، أدخل الجار فقال تعالى : مِنْ قَبْلِ هذا أي الذي نزل عليّ كالتوراة والإنجيل والزبور ، وهذا من أعلام النبوة فإنها كلها شاهدة بالوحدانية ، لو أتى بها آت لشهدت عليه . ولما ذكر الأعلى الذي لا يجب التكليف إلا به ، وهو النقل القاطع ، سهل عليهم فنزل إلى ما دونه الذي منه العقل ، وأقنع منه ببقية واحدة ولو كانت أثرا لا عينا فقال : أَوْ أَثارَةٍ أي بقية رسم صالح للاحتجاج ، قال ابن برجان : وهي البقية من أثر كل شيء يرى بعد ذهابه وحال رؤيته بأثرها خلف عن سلف يتحدثون بها في آثارهم ، قال البغوي : وأصل الكلمة من الأثر وهو الرواية . مِنْ عِلْمٍ أي قطعي بضرورة أو تجربة أو مشاهدة أو غيره ولو ظنا يدل على ما ادعيتم فيهم من الشركة . ولما كان لهم من النفرة من الكذب واستشناعه واستبشاعه واستفظاظه ما ليس لأمة من الأمم ، أشار إلى تقريعهم بالكذب إن لم يقيموا دليلا على دعواهم بقوله تعالى : إِنْ كُنْتُمْ أي بما هو لكم كالجبلة صادِقِينَ * أي عريقين في الصدق على ما تدعون لأنفسكم . ولما أبطل سبحانه وتعالى قولهم في الأصنام بعدم قدرتها على إتيان شيء من ذلك لأنها من جملة مخلوقات في الأصل ، أتبعه إبطاله بعدم علمها ليعلم قطعا أنهم أضل الناس حيث ارتبطوا في أجل الأشياء - وهو أصول الدين - بما لا دليل عليه أصلا ،